كيف نكون والدين جيدين
غالبًا ما تتشكّل تربية الطفل وفق ما يراه الوالدان صائبًا أو مرغوبًا أو مهمًا. وقد تتقدّم رغباتهما وتوقّعاتهما على مشاعر الطفل واحتياجاته وقدراته وإمكاناته. لذلك يبدأ فهمنا لأسلوبنا في التربية بمراجعة بسيطة لكنها مهمة: هل نتقبّل الطفل بكل صفاته؟ وهل نتيح له التعبير عن شخصيته؟ وهل ننتبه إلى الأوقات التي نطلب فيها منه أكثر مما يستطيع، أو نبالغ في القسوة، أو نتساهل بلا داعٍ، أو نغيّر القواعد؟ تكشف الإجابات عن هذه الأسئلة طبيعة العلاقة التي نبنيها مع الطفل، ومدى استعدادنا لتكييف أسلوب تربيتنا مع احتياجاته الفعلية.

محتويات المقال
القرب العاطفي أساس التربية
للجوّ الذي ينشأ فيه الطفل أثر قوي في نموّه. ويؤدي دفء العلاقات الأسرية، وشعوره بأنه مقبول، وطريقة تعبير الوالدين والأطفال عن مشاعرهم بعضهم لبعض دورًا خاصًا في ذلك. لا تقتصر آثار هذا الترابط العاطفي على شعور الطفل داخل أسرته، بل تسهم أيضًا في تشكيل فهمه للعلاقات بين الناس. وقد تؤثّر تجاربه في الطفولة في الطريقة التي يربّي بها أبناءه لاحقًا، حين يصبح هو نفسه أبًا أو أمًا. ومع ذلك، لا تتحدّد جودة العلاقة بين الوالد والطفل بصفات الوالد وتصرّفاته وحدها. فالطفل يشارك في هذه العلاقة بفاعلية منذ ولادته. وتؤثّر طباعه وطريقة استجابته واحتياجاته الفردية أيضًا في سلوك الكبار، ولهذا تنمو العلاقة مع كل طفل على نحو خاص.
لماذا لا يناسب أسلوب التربية نفسه كل طفل؟
كثيرًا ما يفاجأ الوالدان اللذان لديهما طفلان أو أكثر بمدى اختلاف تجربتهما مع كل طفل. فقد يكبر أحدهما من دون صعوبات يومية تُذكر، بينما يحتاج الآخر إلى قدر أكبر بكثير من الاهتمام والمرونة والصبر. وقد لا يجدي مع طفل أسلوب أعطى نتائج ممتازة مع أخيه، بل قد يثير لديه استجابة معاكسة. هذه الفروق ليست غريبة. فالأطفال يختلفون منذ سنّ مبكرة جدًا في صفات كثيرة، بعضها فطري إلى حدّ كبير ولا يمكن للتربية أن تغيّره تغييرًا جوهريًا. والطباع والصفات الجسدية والجنس والحالة الصحية والقدرة على التكيّف ليست سوى بعض العوامل التي تؤثّر في سلوكهم وفي طريقة تعامل الوالدين معهم. لبعض الرضّع نمط نوم وتغذية يمكن توقّعه نسبيًا، ويكونون غالبًا مرتاحين وبصحة جيدة، ويتكيّفون بسهولة مع الرعاية اليومية. ويسهل على الوالدين تمييز احتياجاتهم وتلبيتها. في المقابل، هناك رضّع يكثر بكاؤهم ويسهل انزعاجهم، ولهم نمط خاص في التغذية والنوم يصعب على الوالدين مجاراته. وقد يبدو سلوكهم غير قابل للتوقّع، ولا تؤدي محاولات إرساء روتين ثابت دائمًا إلى النتائج المرجوّة. قد تصبح هذه الحياة اليومية مرهقة جدًا للأم. فالتعب والتوتّر المستمران قد يتحوّلان أحيانًا إلى خيبة أمل وتساؤل عن قدراتها. وإذا لم يتفهّم المحيطون بها ما تمرّ به، ولا سيما حين يعلّقون على بكاء طفلها، فقد يزداد شكّها في نجاحها في تربيته. لكن احتياج طفل إلى اهتمام وصبر أكثر من غيره لا يعني في حدّ ذاته أن والديه أقل نجاحًا في تربيته. فالفروق الفردية بين الأطفال جزء مهم من فهم سلوكهم.
الطفل لا يحتاج إلى والدين مثاليين
لا توجد وصفة واحدة للتربية المثالية، ولا يحتاج الطفل إلى شخص بالغ لا يخطئ أبدًا. الأهم بكثير أن يجد إلى جانبه والدًا يحبّه ويفهمه ويوجّهه، ويتحمّل في الوقت نفسه مسؤولية القرارات التي لم يصبح الطفل قادرًا على اتّخاذها بمفرده. فدور الوالدين يشمل التوجيه ووضع الحدود ورعاية مصلحة الطفل، بينما يتعلّم هو تدريجيًا تحمّل مسؤولية المهام التي أصبح قادرًا عليها. لكل والد الحقّ في قناعاته في الحياة وأسلوبه الخاص في التربية. لكن الصبر والثبات يمنحان هذا الأسلوب استقرارًا يستطيع الطفل الاعتماد عليه. حين يكتسب الطفل الثقة بوالده من خلال العلاقة اليومية بينهما، يسهل عليه تنمية ثقته بنفسه وبقدراته. ومن هذه التجارب تتشكّل تدريجيًا ثقته بالآخرين أيضًا، وهي أساس مهم ليصبح لاحقًا شخصًا ناضجًا ومسؤولًا. يذكر النص الأصلي نموّ الطفل من دون صعوبات نمائية كبيرة بوصفه أحد مؤشّرات نجاح التربية. غير أن هذا التقييم لا يغني عن فهم العلاقة نفسها بين الوالد والطفل.
تقبّل الطفل يعني أن نتعرّف إليه كما هو
لا يظهر حبّ الوالدين في رعاية الاحتياجات اليومية وحدها، بل يتجلّى أيضًا في قدرتنا على تقبّل الطفل بوصفه شخصًا مستقلًا، له صفات قد لا توافق رغباتنا وتوقّعاتنا. إذا كان الطفل مفعمًا بالحيوية، فليس من الواقعي أن نتوقّع منه الهدوء والتحفّظ طوال الوقت. وبالمثل، لا ينبغي أن نطلب من طفل حذر يميل إلى الخوف أن يكون منفتحًا وسريعًا ومستعدًا للاستجابة الفورية في كل موقف. يعني التقبّل احترام طبيعة الطفل، بدلًا من السعي الدائم لتغييرها كي توافق صورة رسمناها مسبقًا للطفل المثالي.
عندما لا يشعر الطفل بحبّ والديه
قد يتّخذ غياب الاهتمام العاطفي أشكالًا مختلفة، من البرود واللامبالاة في التعامل إلى النفور الواضح من الطفل. يصعب على الطفل تحمّل غياب حبّ والديه. ولا يتعلّق الأمر بما يشعر به الوالدان وحده، بل أيضًا بمدى قدرة الطفل على إدراك حبّهما والشعور به. قد يحبّ الوالدان طفلهما بصدق، لكن كثرة العمل والهموم أو المشكلات الأخرى تحول دون إظهار هذا الحب بما يكفي. وعلى الرغم من رعايتهما احتياجاته كل يوم، قد يظلّ انتباههما منصرفًا إلى التزامات أخرى. قد يشعر الطفل عندئذ بأن والديه حاضران بجسديهما، لكنهما بعيدان عنه عاطفيًا. فهو يلاحظ أن أفكارهما مشغولة بأمر آخر، وقد يستنتج أن ما يحدث له أو ما يشعر به أو يريد مشاركته ليس مهمًا بما يكفي ليثير اهتمامهما. وقد يكون شعوره بأنه لا يجد والديه متاحين له عاطفيًا مؤلمًا، حتى عندما يكون حبّهما له حقيقيًا.
الابتعاد عن الوالدين والشعور بالرفض
يبذل بعض الوالدين جهدًا كبيرًا لتأمين حياة مريحة لطفلهما، لكنهما يتركان معظم الرعاية المباشرة لأشخاص آخرين. فقد يقضي الطفل أيامه مع من يتولّون رعايته، وعطلات نهاية الأسبوع والإجازات السنوية لدى الأقارب. وفي بعض الأسر، يعيش الطفل عند جدّيه سنوات، حتى حين لا تكون هناك ضرورة ملحّة لذلك. ينبّه النص الأصلي خصوصًا إلى الابتعاد الطويل عن الوالدين في السنوات الأولى من الحياة، ويربطه بصعوبات محتملة في بناء القرب العاطفي والثقة لاحقًا. ووفق هذا الوصف، قد يجد الطفل بعد عودته إلى والديه صعوبة في إقامة العلاقة التي يحتاجها معهما، لأنه شعر بأن ابتعاده السابق عنهما كان رفضًا له. وقد يبدأ الطفل في الاعتقاد بأنه المسؤول عن نقص اهتمام والديه. فبدلًا من فهم الظروف التي أدّت إلى ابتعاده عنهما، قد يستنتج أنه ليس طيبًا أو ذكيًا أو مطيعًا أو ناجحًا أو جميلًا بما يكفي ليستحقّ الحب. وقد تضعف هذه القناعات ثقته بنفسه والصورة التي يكوّنها عن قدراته. وحين يشعر بعدم الأمان، قد يبدأ بالبحث عن سبل لجذب انتباه والديه وكسب مودّتهما. ويظهر ذلك أحيانًا في نوبات غضب شديدة، أو سلوك عدواني، أو رفض الطعام، أو الامتناع عن الكلام. ويذكر الوصف الأصلي أنه حين لا تحقّق هذه المحاولات القرب المنشود، قد تشتدّ ردود الفعل حتى تصل إلى عدوانية شديدة، أو على العكس، إلى الانطواء والعزلة الاجتماعية. لا ينبغي النظر إلى هذه العواقب باعتبارها نتائج حتمية لكل ابتعاد عن الوالدين. فهي أنماط محتملة وردت في المادة الأصلية، ويحتاج مدى انطباقها عمومًا إلى التحقّق من قِبل المختصّين.
لماذا يصعب أحيانًا على أحد الوالدين تقبّل طفله؟
قد تكون أسباب رفض الطفل عاطفيًا معقّدة، وكثيرًا ما لا يعي الوالدان تمامًا ما يؤثّر في سلوكهما. وقد يرتبط أحد هذه الأسباب بطريقة نشأتهما. فالوالد الذي لم يلقَ هو نفسه قدرًا كافيًا من التقبّل قد يكرّر من دون وعي أنماط سلوك والديه. أحيانًا تظهر مشاعر الغضب والعداء التي لم تُحسم تجاه الوالدين في علاقة الشخص بطفله. وفي حالات أخرى، يرى البالغ في الطفل صفات يعدّها عيوبًا في نفسه، فينفر منها. ويظهر شكل شديد الأذى من هذا السلوك حين يحاول أحد الوالدين إيذاء الآخر عن طريق الطفل. وقد يحدث ذلك عند الانفصال أو الطلاق، حين تبدأ الخلافات العالقة بين البالغين بالتأثير في علاقتهما بطفلهما. وما يجمع هذه الأمثلة هو احتمال أن يتحمّل الطفل العواقب العاطفية لتجارب ومشاعر وخلافات تخصّ الكبار في الأصل.
غياب الثبات في التربية: حين تتغيّر القواعد مع مزاج الوالدين
يسهل على الطفل فهم الحدود حين تتمتّع استجابات والديه بقدر من الثبات. أما القواعد التي تتغيّر باستمرار فقد تثير لديه الحيرة وعدم الأمان. وقد يغيب الثبات في التربية خصوصًا حين تثقل الالتزامات اليومية كاهل الوالدين، أو يرهقهما التعب، أو لا يتوفّر لهما ما يكفي من الوقت والصبر. قد تعاقب الأم المتعبة باستمرار طفلها في لحظة ما على سلوك لا تعلّق عليه عادة، ثم تسمح في اليوم التالي بما كانت تمنعه من قبل. وأحيانًا يكون سبب هذا التساهل مجرّد حاجتها إلى استراحة أو إلى إنجاز عمل من دون مقاطعة. وقد يحدث الأمر نفسه مع آباء يقضون وقتًا قليلًا مع أطفالهم بسبب العمل. فرغبةً في تجنّب الخلافات خلال الوقت المشترك، يسمحون لهم بكل شيء تقريبًا، إلى أن يبدأ سلوك الطفل بإثارة إحباطهم. وعندئذ قد يكون حتى الموقف البسيط سببًا لعقاب مفاجئ وشديد القسوة. يصعب على الطفل فهم سبب السماح بالفعل نفسه أحيانًا ومعاقبته عليه أحيانًا أخرى. ويفقد تدريجيًا ثقته بفهمه للقواعد، وبقدرته على توقّع ردود فعل والديه أيضًا. وقد ترافق هذه الحيرة مخاوف وتساؤلات عمّا إذا كان حبّ الوالدين ثابتًا فعلًا. ويصف النص الأصلي احتمال أن يدافع الطفل عن نفسه في مواجهة هذه المشاعر بمشكلات سلوكية مختلفة واستجابات يسمّيها عُصابية.
من حقّ الوالدين أن يخطئا، ومن مسؤوليتهما الاعتراف بالخطأ
لا يستطيع أي والد أن يكون ثابتًا تمامًا في تصرّفاته طوال الوقت. فالظلم العارض، أو القرار الخاطئ، أو ردّ الفعل المتأثّر بالتعب جزء من واقع الحياة الأسرية. وما قد يغيّر تجربة الطفل في مثل هذا الموقف هو استعداد الوالد للاعتراف بخطئه. يستطيع الطفل أن يفهم أن والده أخطأ أو لم يلتزم الثبات، ولا سيما حين يتحمّل البالغ مسؤوليته بوضوح بدلًا من لوم الطفل على تصرّفه هو. وهكذا يصبح من الممكن ألّا يضرّ الخطأ العارض بالثقة التي تُبنى من خلال العلاقة.
عندما تختلف قواعد الأم عن قواعد الأب
لا يظهر غياب الثبات في تصرّفات أحد الوالدين وحده، بل قد ينشأ أيضًا عن اختلاف الأم والأب حول تربية الطفل. ولا يشكّل اختلاف وجهات النظر التربوية في حدّ ذاته الصعوبة الأكبر بالضرورة. فقد يتكيّف الطفل مع كون أسلوب والديه غير متطابق، خصوصًا إذا كانا يتقبّلان هذه الفروق ويحترمانها. أما النزاعات التي تنشأ بسبب الاختلاف في التربية فقد تشكّل مشكلة أكبر بكثير. إذا منع أحد الوالدين أمرًا وسمح به الآخر فورًا، فمن المفهوم أن يلجأ الطفل أكثر إلى الأكثر تساهلًا بينهما. لكن الأمر لا يقتصر على اكتساب الوالد المتساهل أفضلية. فوفق التفسير الوارد في النص الأصلي، قد يفقد الطفل ثقته بكليهما في الوقت نفسه، لأنه لم يعد يرى قراراتهما جديرة بالاعتماد عليها. لذلك ليس من الضروري أن يفكّر الوالدان بالطريقة نفسها تمامًا. والأهم بكثير ألّا تصبح خلافاتهما مصدرًا لنزاعات مستمرة وشعور بعدم الأمان لدى الطفل.
التوقّعات غير الواقعية: حين تصبح حياة الطفل خطة يرسمها والداه
يرسم بعض الوالدين مستقبل طفلهما قبل أن تُتاح له فرصة إظهار اهتماماته وقدراته بوقت طويل. ويتوقّعان منه أن ينجح في كل شيء، ويحقّق أفضل النتائج، وينمو وفق خطة موضوعة سلفًا لا تترك مساحة كافية لاحتياجاته الفردية. وغالبًا ما تتّسم هذه العلاقة بالتوجيه والنصح وفرض المطالب باستمرار. ولا يُقبل اعتراض الطفل، وقد يُعاقب إذا لم يلبِّ التوقّعات. يحدّد الوالد مواعيد معظم الأنشطة: متى يأكل الطفل وينام ويلعب، وماذا يرتدي، ومع من يقضي وقته. ويولي اهتمامًا خاصًا للترتيب والنظافة والاستعداد لتنفيذ كل توجيه من دون تردّد. والمطلوب من الطفل في المقام الأول هو الطاعة. أما رغباته وقدراته في تلك المرحلة فغالبًا ما تتراجع أهميتها، بينما يُقاس نجاحه بمدى التزامه بما يتصوّره والداه له. يبدأ هؤلاء الأطفال أحيانًا في سنّ مبكرة جدًا بتعلّم اللغات الأجنبية أو حضور دروس الموسيقى أو الباليه أو غيرها من الأنشطة المنظّمة. لكن عدد الأنشطة وحده لا يحدّد جودة نموّهم. وتظهر المشكلة حين تتجاوز المطالب ما يستطيع الطفل تحمّله.
آثار الضغط المستمر ليكون الطفل الأفضل
قد يبدأ الطفل المطالب بتحقيق نتائج عالية باستمرار بالشعور بأن كل إخفاق له يخيّب أمل والديه. وحين تتجاوز التوقّعات إمكاناته الفعلية، يشعر بالإحباط لأنه يعجز عن تلبية ما يُطلب منه. وقد ينشأ عن هذه التجربة شعور بالنقص، ثم بالذنب لاحقًا. فالضغط ليكون مثاليًا في كل شيء لا يترك مجالًا كافيًا للتعلّم الطبيعي بالمحاولة والخطأ وإتقان المهارات الجديدة تدريجيًا. ويشير النص الأصلي أيضًا إلى أن خطط الوالدين المبنية على هذه المطالب المفرطة كثيرًا ما لا تتحقّق. فعلى الرغم من الجهد المبذول والرقابة المستمرة، قد لا يوافق مستقبل الطفل التوقّعات المرسومة سلفًا.
حين يواصل الوالدان توجيه النقد
بعض الآباء والأمهات لا يكادون يُظهرون الرضا عمّا يفعله الطفل. وحتى حين يرضون عن سلوكه أو إنجازه، يمتنعون عن مدحه خوفًا من أن يصبح مدلّلًا أو يتوقّف عن بذل الجهد إذا لقي التقدير. وبدلًا من التشجيع، تسود العلاقة ملاحظات سلبية وتنبيهات وانتقادات متكرّرة. ويُقارَن الطفل بأقران يُقال إنهم أذكى أو أنجح أو أفضل منه، ويتعرّض أحيانًا للتهكّم أو السخرية. وقد تؤدي مواجهته المستمرة بما يُزعَم أنه عيوب فيه إلى إضعاف ثقته بنفسه تدريجيًا. فبدلًا من أن يكتسب الثقة بقدراته، يبدأ في الشكّ بقيمته. وقد يشعر بأنه أقل قدرة ونجاحًا من الآخرين، وغالبًا ما يصاحب هذا الشعور عدم الرضا عن نفسه. وحين لا يلقى الطفل إلا نادرًا تقديرًا لجهده وما أحسن فعله، قد يصبح النقد الطريقة التي ينظر بها إلى نفسه ويقيّمها.
الحماية المفرطة: حين تبدأ الرعاية بتقييد الاستقلالية
يعتمد الطفل اعتمادًا كبيرًا على البالغين في أشهر حياته وسنواته الأولى. ويكون استعداد الوالدين لحمايته ومساعدته وتلبية احتياجاته جزءًا ضروريًا من رعايته آنذاك. لكن قدراته تتغيّر كلما كبر. ويرغب تدريجيًا في تجربة مزيد من الأمور بنفسه، وينبغي أن تواكب مساعدة الوالدين هذا النموّ. تظهر المشكلة حين يواصل الوالد التعامل مع الطفل كأنه عاجز تمامًا، رغم أنه أصبح مستعدًا للقيام بأنشطة بسيطة. يريد الطفل أن يأكل بنفسه، أو يرتدي حذاءه، أو يتناول غرضًا، لكن الوالد يمنعه باستمرار. ويحذّره بأنه أصغر من أن يفعل ذلك، أو لا يعرف كيف يفعله، أو قد يسقط أو يتّسخ، ثم يؤدّي المهمة بدلًا منه. قد تنبع هذه الاستجابات من حرص صادق، لكنها تحرم الطفل في الوقت نفسه من فرصة اختبار قدراته. إذا واصل الكبار القيام بما يستطيع الطفل تعلّم القيام به بنفسه، صَعُب نموّ استقلاليته. وقد يظلّ معتمدًا على والديه أكثر من اللازم، غير واثق بإمكاناته، وخائفًا من التجارب الجديدة.
كيف يتصرّف الطفل حين لا يُسمح له بأن يكبر؟
قد تنشأ لدى الطفل الذي يشعر بأنه مراقَب باستمرار مقاومة شديدة لقيود والديه. وتظهر هذه المقاومة أحيانًا في الغضب أو المطالب المفرطة أو عدم الطاعة داخل الأسرة. وفي الوقت نفسه، قد يبدو الطفل نفسه خارج المنزل شديد الهدوء والطاعة والخوف، وغير واثق بنفسه. وقد يتكوّن لديه في هذه الظروف انطباع بأن أمّه حاضرة دائمًا، ولا تسمح له بخوض أي مخاطرة، وما زالت تراه طفلًا صغيرًا مهما كانت قدراته الفعلية. ويربط النص الأصلي الحماية المفرطة أيضًا باحتمال أن يصبح الطفل كثير المطالب ومنشغلًا باحتياجاته قبل كل شيء. ويصف كذلك صعوبات في تكوين الصداقات، ومشكلات لاحقة في التواصل مع الآخرين.
لماذا يبالغ الوالدان في حماية طفلهما؟
قد تختلف الأسباب التي تجعل الطفل يحتلّ مكانة خاصة في حياة والديه. فقد تكون لديه أحيانًا مشكلة صحية أو اضطراب نمائي معيّن، فيشعر والداه بحاجة أكبر إلى حمايته. وفي أسر أخرى، تكون ولادة الطفل قد جاءت بعد انتظار طويل. وربما سبقتها صعوبات في حدوث الحمل، أو عقم، أو حمل استلزم عناية خاصة للحفاظ على استمراره. وقد تكون علاقة الوالدين نفسها مثقلة بمشكلات زوجية خطيرة قبل ولادة الطفل. وفي هذه الظروف، قد ترى الأم في قدومه نوعًا من المكافأة بعد ما مرّت به من صعوبات وخيبات أمل وتوقّعات لم تتحقّق. ويصف النص الأصلي هؤلاء الأمهات بأنهنّ شديدات الإحساس بالمسؤولية والتعلّق بالأسرة، ولديهنّ حاجة قوية إلى ممارسة الرعاية الأمومية. أما الآباء، ففي النمط الأسري الموصوف، غالبًا ما تكون مشاركتهم في اتّخاذ القرارات أقل، وتكون سلطتهم أضعف في علاقتهم بالأم والطفل. وقد ترتبط الحماية المفرطة عندئذ بتركيز الوالدين عاطفيًا على الطفل بدرجة شديدة على نحو خاص.
حين تتحوّل الحماية إلى تساهل مفرط
يبدأ بعض الأطفال الذين ينشؤون في ظلّ حماية شديدة بالتعامل مع أمهاتهم بتمرّد وعناد ومطالب كثيرة جدًا. وقد تصبح الأم أكثر تساهلًا شيئًا فشيئًا في محاولتها إرضاء الطفل أو تجنّب الخلاف معه، بينما يحاول هو السيطرة على المواقف اليومية. ومن الأمثلة المذكورة سلوك الطفل في المتجر. فهو يطلب شراء شيء له، وحين لا يحصل على ما يريد، يحتجّ بشدّة وتنتابه نوبة انفعال واضحة في محاولة لتغيير قرار الوالد. وإذا بدا الوالد عاجزًا وظلّ يستجيب لمطالب الطفل، فقد تتّسم العلاقة بمطالب متزايدة من الطفل، وبقدرة متناقصة لدى الوالد على وضع الحدود.
الصرامة المفرطة: حين تصبح الطاعة أهمّ من النموّ
غالبًا ما يقوم أسلوب التربية الصارم على توقّع طاعة الطفل لوالده من دون اعتراض والتزامه بقواعده. وقد يفرط الوالدان عندئذ في تقييد سلوكيات معتادة في سنّ الطفولة. فالصياح والقفز والجري والطرق على الأشياء واللعب بحيوية قد تُتعب الكبار، لكنها أيضًا جزء من طريقة الطفل الطبيعية في التعبير واللعب. وتظهر المشكلة حين يرى الوالد هذا السلوك أساسًا عصيانًا ينبغي قمعه. وقد تظهر الصرامة المفرطة أيضًا في مطالب لا تناسب مستوى نضج الطفل. فقد يُطلب من طفل في الثالثة مثلًا أن يرتّب ألعابه بمفرده تمامًا، مع أنه لا يزال يحتاج إلى مساعدة أو توجيه في هذه المهمة. وقد يُطلب من طفل حيوي بطبعه أن يبقى بلا حركة عند زيارة الآخرين، وألّا يلمس شيئًا أو يبعثر الأغراض، وأن يكون في غاية التهذيب في كل لحظة. وقد تتجاوز هذه التوقّعات ما تسمح به قدراته الفعلية في مرحلة نموّه.
عندما يحاول أحد الوالدين أن يجعل طفله نسخة منه
غالبًا ما يبذل الوالدان اللذان يميلان إلى الصرامة المفرطة طاقة كبيرة في محاولة جعل الطفل مثلهما تمامًا. وقد يبرّران أسلوبهما باعتقادهما أن الانضباط الصارم أفضل ما يُعدّه للمستقبل ويحميه من الدلال الزائد. وحين يُظهر الطفل طاقة كبيرة أو لا يكون مطيعًا بما يكفي، يلجأ بعض الوالدين حتى إلى مساعدة اختصاصي نفسي، لاعتقادهما أن سلوكه يمثّل مشكلة. ويسعيان إلى تحقيق الطاعة التامة بالعقاب والمواعظ الطويلة والمتكرّرة عمّا يجوز للطفل فعله وما لا يجوز. لكن الطفل غالبًا لم يبلغ مرحلة من النموّ تتيح له فهم جزء كبير من هذه التفسيرات. وبدلًا من استيعاب الرسالة المقصودة، قد يشعر بالحيرة والخوف. وقد تحدّ السيطرة الخارجية المفرطة من نموّ استقلاليته وقدرته على المبادرة بالأنشطة واتّخاذ القرارات بنفسه. وقد تظهر العواقب أيضًا في علاقاته بأقرانه. فقد يبدو شديد التهذيب والطاعة بين البالغين، الذين كثيرًا ما يمدحونه لهذا السلوك ويقدّمونه مثالًا للآخرين. لكنه قد يجد في الوقت نفسه صعوبة في المشاركة على قدم المساواة مع أقرانه في اللعب والأنشطة المشتركة، وقد يواجه الرفض أيضًا.
العقاب القاسي لا يعني أن الطفل تعلّم ضبط سلوكه
يربط النص الأصلي عواقب بالغة الخطورة باستخدام العقوبات القاسية، ولا سيما العقاب الجسدي. فقد يتصرّف الطفل شديد الهدوء والطاعة في المنزل بطريقة مختلفة تمامًا في الروضة أو المدرسة. وقد يصبح في علاقته بأقرانه فظًّا وعدوانيًا، ويسعى إلى فرض سيطرته بأي ثمن. ويُوصَف هذا الاختلاف في السلوك بأنه مؤشّر على أن الطفل لم ينمِّ قدرته الداخلية على ضبط نفسه، بل يتصرّف استجابة للضغط الذي يمارسه الكبار عليه. ومن اللافت أن التربية شديدة الصرامة ترتبط من هذه الناحية بمشكلة مشابهة قد تظهر مع الوالدين شديدي التساهل. ففي الحالتين قد يجد الطفل صعوبة في تنمية قدرته على ضبط سلوكه بنفسه، رغم أن أسلوبي الوالدين يكادان يكونان متناقضين. فالصرامة المفرطة تعني كثرة الرقابة والقيود وقلة التفهّم. ويتكيّف الطفل مع المطالب الخارجية، لكنه لا ينمّي بالقدر الكافي قدرته على التحكّم في سلوكه بنفسه.
المقاومة الخفية والاستجابات الجسدية
قد يبتكر الطفل الذي يخشى معارضة والديه الصارمين علنًا طرقًا أقل وضوحًا لتجنّب مطالبهما. فقد يبدو أحيانًا مهملًا، أو يتصرّف كأنه لم يسمع التوجيه، أو ينسى كثيرًا ما قيل له. وإذا أُجبر على الأكل، فقد يحاول إخفاء الطعام ليفلت من رقابة والديه. وفي بعض المواقف، قد يظهر التوتّر العاطفي أيضًا في صورة متاعب جسدية. ويذكر النص الأصلي الصداع وآلام البطن وآلام منطقة القلب بوصفها استجابات نفسجسدية محتملة مرتبطة بهذه التجارب. لذلك لا يعني البطء في إتقان مهارة معيّنة أو ضعف الأداء مقارنة بالأقران بالضرورة أن الطفل أقل ذكاءً أو أنه كسول. فقد تكمن وراء هذه الصعوبات أحيانًا مخاوف وشعور بعدم الأمان ونقص الثقة بالقدرات الذاتية.
كيف نساعد الطفل على تنمية ثقته بنفسه وإحراز التقدّم؟
حين يتعلّم الطفل بعض المهارات ببطء أكبر أو يعجز عن تلبية التوقّعات، لا يكون الضغط الإضافي الاستجابة الوحيدة الممكنة. والأنفع بكثير أن نتأمّل بعناية ما يعوقه ونوع الدعم الذي يحتاجه من والديه. يقدّم النص الأصلي سبعة توجيهات لتنمية تقدير الذات والاستقلالية والثقة بالقدرات الذاتية.
1. ساعدوا الطفل على إدراك قيمته
ينمو تقدير الذات من خلال تجارب يدرك فيها الطفل أن له قيمة، وأن قدراته تستحقّ الثقة. وحين يُظهر الوالدان بتعاملهما أنهما يقدّرانه، يبني الطفل تدريجيًا صورة أكثر إيجابية عن نفسه. وقد يساعده هذا الشعور بالأمان على الإقبال على المهام الجديدة، ومحاولة إتقان مهارات غير مألوفة، ومواجهة مواقف تتطلّب منه جهدًا. فالطفل الذي ينظر إلى نفسه نظرة طيبة يجد بسهولة أكبر الشجاعة للمحاولة من جديد.
2. قدّروا جهده ومحاولاته الإيجابية
من المفيد أن ينتبه الوالدان إلى ما يحاول الطفل فعله على نحو جيد، بدلًا من تركيز اهتمامهما الدائم على الأخطاء. فجهده وتصرّفاته الإيجابية واهتماماته وميوله تستحقّ التشجيع، حتى إن لم تكن النتيجة النهائية قد بلغت المستوى المتوقّع بعد. وفي الوقت نفسه، ينبغي مراعاة حجم المطالب والالتزامات المفروضة عليه. فإثقال كاهله قد يسبّب له ضغطًا نفسيًا، وهذه الحالة نفسها قد تصعّب عليه إنجاز المهام بنجاح. أي إن زيادة الضغط باستمرار لا تحسّن أداء الطفل بالضرورة، وقد تأتي أحيانًا بنتيجة معاكسة.
3. قدّموا المساعدة واتركوا مجالًا للاستقلالية
ينبغي أن يكون دعم الوالدين بقدر مناسب. إذا أنجز الكبار المهام دائمًا بدلًا من الطفل، فلن تُتاح له فرص كافية لاكتساب الثقة بقدراته. لكن من غير المفيد أيضًا تركه وحده تمامًا أمام مهمة لم يتعلّم بعد كيف يتعامل معها. ويصف النص الأصلي أفضل أسلوب بأنه توازن بين التوجيه في البداية والعمل المستقل. يمكن للوالد أن يساعد الطفل على بدء النشاط، أو يبيّن له كيف يتعامل مع المهمة، أو يقدّم له الدعم اللازم، ثم يتركه يواصل ما يقوم به ويتمّه بنفسه. بهذه الطريقة، لا تحلّ المساعدة محلّ جهد الطفل، بل تتيح له تنمية استقلاليته تدريجيًا.
4. اجعلوا توقّعاتكم في حدود ما يستطيع الطفل تحقيقه
لتوقّعات الوالدين مكانها في التربية، لكنها يجب أن تناسب إمكانات الطفل الفعلية. إذا ظلّت المعايير أعلى مما يستطيع تحقيقه، فقد يشعر بأنه لن يحقّق نجاحًا كافيًا مهما بذل من جهد. وهذه التجربة لا تساعد على بناء الثقة بالنفس. لذلك من المهم أن تكون المطالب قابلة للتحقيق، وأن تزداد صعوبتها تدريجيًا مع تقدّم الطفل. وهكذا تُتاح له فرصة التغلب على تحدّيات جديدة من دون الشعور المستمر بالعجز عن تلبية توقّعات والديه.
5. اجعلوا استجاباتكم الإيجابية أكثر بكثير من السلبية
يقترح النص الأصلي خمس استجابات إيجابية مقابل كل عقوبة أو استجابة سلبية واحدة، ويعرض نسبة 5:1 بوصفها مزيجًا فعّالًا على نحو خاص. ومن الاستجابات الإيجابية المذكورة المديح والتشجيع والابتسامة الدافئة. أما الاستجابات السلبية فتشمل التوبيخ والنقد واللامبالاة، وحتى العبوس. وجوهر هذا التوجيه أن يشعر الطفل بتقدير والديه لسلوكه الجيد وجهده مرات أكثر بكثير مما يشعر باستيائهما وإدانتهما. تخصّ هذه النسبة الأسلوب الوارد في النص الأصلي، ولا ينبغي عرضها بوصفها قاعدة عامة ثابتة علميًا من دون مزيد من التحقّق.
6. لاحظوا الجوانب الجيدة قبل توجيه النقد
حين نقيّم عمل الطفل أو سلوكه، من المفيد أن نبدأ بما نجح فيه. وحتى حين يصعب تمييز الجوانب الإيجابية، فهي تستحقّ البحث عنها بعناية. وبعد ذلك يمكن إبراز جانب لافت في محاولته، كفكرة مبتكرة أو طريقة غير مألوفة في التعامل مع المهمة. ولا يأتي دور الإشارة إلى أوجه القصور التي تحتاج فعلًا إلى تصحيح إلا بعد النظر في تلك الجوانب. وينبغي أن يكون النقد عندئذ بنّاءً، وأن يركّز على ما يستطيع الطفل فهمه وتحسينه. ويقترح النص الأصلي أيضًا طريقة بسيطة لمراجعة سلوككم: دوّنوا على مدى بضعة أيام ما توجّهونه إلى الطفل من مديح واستجابات سلبية. ثم انظروا إلى النسبة بينهما. ووفق القاعدة المقترحة، إذا قابل كل استجابة سلبية أقلّ من خمس عبارات مديح، فهذه إشارة إلى أن على الوالد النظر في تغيير أسلوبه التربوي. إذا ظلّ الطفل يتلقّى انتقادات أكثر مما يلقى تقديرًا لجهده، فقد يبدأ في الاعتقاد بأنه لن ينجح أبدًا في تلبية توقّعات والديه. وقد يضعف هذا الشعور تقديره لذاته ويزيد قلقه.
7. لا تجعلوا كل نشاط يقوم به الطفل مناسبة للمديح
رغم أهمية الاستجابة الإيجابية، قد تسبّب المبالغة في المديح صعوبات أيضًا. إذا توقّع الطفل المديح دائمًا على ما يفعله، فقد يبدأ في تفسير أي استجابة مختلفة على أنها علامة إخفاق. لذلك لا يحتاج الوالد إلى تقييم كل تصرّف للطفل والحكم عليه باستمرار. فكثيرًا ما يكون الأهم للطفل أن يشعر بأن الكبار يرونه ويسمعونه وينتبهون إليه فعلًا. فعندما يعرض الطفل رسمته مثلًا، لا يلزم أن يقول الوالد فورًا إنها رائعة أو مثالية. ويمكنه ببساطة أن يلاحظ أن الطفل لوّن البيت بالأزرق ورسم فوقه غيومًا. ويمكنه أيضًا أن يسأله عمّا يمثّله جزء معيّن من الرسمة. تُظهر هذه الاستجابة اهتمامًا حقيقيًا بما صنعه الطفل، وتترك له مجالًا للحديث عن عمله، من دون الحاجة إلى تصنيف كل محاولة له على أنها نجاح أو إخفاق.


